توتول”المدينة الملكية السالفة “للرقة”.. بقلم الباحث الرقي محمد العزو

“توتول”المدينة الملكية السالفة “للرقة”

2021/2/24________________________
تل “البيعة” , تل اثري يقع بالقرب من الرقة ، يضم في ثناياه آثار مدينة (توتول) Tuttul ، من أعظم حواضر سورية تقع في شمال شرق مدينة “الرقة” على بعد واحد كيلو متر ، و/3/كم غرب البليخ، يتربع هذا التل فوق بروز أرضي من ضفة النهر. وهو منفصل عن التل الأحدث عهداً بمنخفضات طبيعية حوارية، ويخترقه خندق قناة حديث لجر المياء من الفرات لإرواء الأراضي الزراعية الواقعة في محيط التل .. و”توتول” ، هي المدينة السالفة “للرقة”. بداية السكن الكثيف فيها يعود لعام 3000ق.م ، وقد لعبت دورآ رياديآ في التاريخ القديم ، وآثار هذه المدينة تم الكشف عنها في تل ( البيعة ) الذي يبعد عن “الرقة” واحد كيلومتر شرقآ كما نوهنا فيما سبق من كلام والاسم يعني “المطلة” كونها تطل على نهر “الفرات” يمينآ، وعلى البليخ شرقاً. وبعض العلماء يقولون ان كلمة (توتول) سومرية وتعني مدينة الآبار ، علمآ أنه خلال أعمال التنقيب الأثري، لم يعثر المنقبون في الموقع إلا على بئرين فقط ،ولأن المدينة كانت محاطة بالمياه من كل الجهات تقريبآ أثناء الفيضان الأعظمي “للفرات”، لذلك لم يقم الأهالي بحفر آبار كثيرة . المدينة شيدها “الآكاديون”، و”البابليون”. بدءَ التنقيب الأثري فيها منذ عام /1981/م من قبل بعثة ألمانية _ سورية مشتركة ،رأس الجانب الألماني عالمة الآثار (ايفاشترومنغر) لروحها السلام ومجموعة من العلماء الآخرين، ومن الجانب السوري الأستاذ “مرهف الخلف”، “محمد العزو”، “محمد الجراد”، بدأ التنقيب فوق قمة التل الرئيس ( الأكربول)، حيث عثر المنقبون على حصيرة فسيفساء كبيرة أبعادها ( 10×10متر) ، تعود لكنيسة “سريانية” من القرن السادس م، ومن هنا جاءت تسمية ( تل البيعة ) ، لان كلمة بيعة تعني الكنيسة(بيع وصوامع) .. دامت أعمال التنقيب لأكثر من خمسة مواسم، حتى عثر المنقبون على رقيم مسماري بيضوي الشكل مدون عليه : هذه مملكة (توتول) وإلهها (رامان) أو “دجن” إله الخير، والخصب، والزرع . وعثر أيضآ على المئات من القطع الأثرية وأهمها الرقم المسمارية التي بلغ عددها/ 170 رقيم/، وجميعها تتحدث عن قضايا قضائية، وأخرى أدبية واقتصادية وإدارية، وبعض منها يتحدث عن أنواع المزروعات الزراعية، وعن علوم الرياضيات ،وعثر أيضآ على مجموعة من الجرار الخزفية، والجرار الفخارية، وأنواع من خرز العقيق، والمرجان، واللازورد، وقطع فضية وذهبية. كانت كلها معروضة في متحف “الرقة” الوطني في صالتين كبيرتين ، وللأسف الشديد سرقت كلها من قبل حيوانات المملكة المتوحشة. وتعتبر ( توتول) أيضأ ميناءآ رئيسآ على “الفرات” الأوسط، وكانت(توتول) تجبي ضرائب كثيرة من السفن القادمة من (كركميش) على الفرات الأعلى الذاهبة إلى مدينة (ماري) الواقعة على الفرات الأدنى القادمة من غرب الفرات . أيضآ كشف التنقيب الأثري عن قصور الألف الثاني ق.م مثل القصر الميتاني، وقصور الالف الثالث ق.م وهي تشبه قصر ماري .. وتُظهِرْ أطلال التل سمات مدينة قديمة واسعة، تتألف من هضبة مركزية، يحيط بها سوران مزدوجان، هي مدينة “توتول” التي كانت تتمتع بنفوذ واسع في الألف الثاني قبل الميلاد. وتبلغ أبعاد التل 700×800م، ويتصل به من طرفه الجنوبي الشرقي خارج سور المدينة تل منخفض مستطيل الشكل تقريباً، يعتقد أنه يحوي في داخله أطلال بناء من العصور البيزنطية.. ورد ذكر مدينة “توتول” في أخبار “صارغون” الذي استمد سلطته من إله “توتول” “داغان” الذي منحه البلاد العليا سورية والأناضول، ومن “توتول” انطلقت فتوحات “صارغون”، ذلك لما تتمتع به هذه المدينة من ميزات تعبوية، فهي غنية بالغذاء لزراعتها المتطورة. ولقد ذكر أن أفراد جيش “صارغون” المؤلف من /4800 شخص/ كانوا يأكلون يومياً بحضرته. وبفضل الإله “دجن” حامي “صارغون”. تحققت له سطوة لا منافس لها في كل البلاد. وفي إحدى كتابات رقم “ماري” إشارة إلى اسم ملك “توتول” “ياخلو كوليم”. ولم تكن “توتول” مستقرة كي تستطيع صد أطماع مملكة يمحاض “حلب” ومملكة “ماري” على “الفرات” الأوسط في سوريا والسيطرة عليهما. وعندما حاول ملك “توتول” التحالف مع أحد قادة المنطقة “لاعوم” ومعه العشائر يدعمهم ملك “يمحاض” قام ملك “ماري” بمقاومة هذا التحالف في مدينة “حماتوم لعله” تل “الحمام”الواقع على بعد عشرين كم غرب “الرقة” وهاجم وهدم أسوار “توتول”، وأصبح يلقب باسم ملك “ماري” و”بلاد هاناري”.. تعود “تتل” أو “توتول” الاثرية لعصر ( اوروك ) وفي الالف الثالث قبل الميلاد تحولت إلى مدينة كثيفة السكان و محصنة بألاسوار المرتفعة، واشتهرت ( توتول) قديما بصناعة الفخار حيث تم الكشف عن مشغل ومصنع وفرن لصناعة الفخار والكثير من الصناعات الفخارية – اواني – الواح وغيرها ، ومن المكتشفات الهامة في المدينة القصر والكنيسة الريانية ولوحات الفسيفساء الرائعة التي اشتهرت عالميا بلوحات فسيفساء “توتول” وكذلك الاختام التي تعود للعصر الاكادي والكتابات السريانية . وتم العثور على رقيم من العصر البابلي القديم بيضوي الشكل يحمل كتابة مسمارية تذكر اسم “توتول”، وقد ارتبط عصر أوروك ـ نسبة إلى مدينة “أوروك” في جنوبي بلاد الرافدين باختراع الكتابة التصويرية في نحو منتصف الألف الرابع ق.م. ولم تخضع طبقات هذا العصر إلى دراسة موسعة لوجود طبقات ترابية كثيفة، وقد أدت التنقيبات إلى الكشف عن بقايا عمرانية أهمها :
ـ معبد من النماذج المنتشرة في شمالي سورية ووسطها والمعروف باسم المعبد السوري ذو الرواق Templumin Antes، وكذلك تم الكشف عن المعبد الميتاني قرب المقبرة القديمة في الجهة الغربية من التل، أي أنه يقع خلف سور المدينة بالقرب من البوابة الغربية. وتم الكشف أيضاً عن معبد رئيس لإله المدينة المعروف باسم «دجن»، ويقع في المنطقة الشرقية من التل المركزي. كما كشف هناك عن سلسلة من القصور تقع في التل المركزي، تظهر هذه القصور تبايناً في النماذج المعمارية، مما يعكس التأثيرات والتبدلات الحضارية والسياسية التي خضعت لها المدينة. أهمها مادعي بالقصر المحترق، أو القصر «ب» العائد إلى الألف الثالث ق.م والقصر «آ» العائد إلى العصر البابلي القديم في الألف الثاني ق.م، الذي يحيط بالممر المؤدي إليه برجان بارتفاع 12م لكل منهما، والذي عثر فيه على عدد كبير من الرُّقُم المسمارية ذات الطبيعة الإدارية ، وكان هذا القصر مزود بالقساطل الفخارية قطر الواحد منها/17/ سم وظيفتها استجرار مياه الصحية إلى خارح القصر . كما وجدت في أماكن مختلفة في مركز التل أبنية ذات طبيعة تعود إلى عصور مختلفة، وتحوي في داخلها مستودعات وتنانير وبيوت سكن تعود إلى مختلف عصور حضارة توتول، وهي ذات نماذج معمارية متباينة، إضافة إلى مدافن للسكان من مختلف الطبقات شيدت داخل بيوت خاصة وفي ساحات مكشوفة، وفي مقبرة خارج أسوار المدينة تقع في الجهة الشمالية من التل عثر في واحد منها هيكلان لرجل وامرأة في حالة عناق أطلق عليها إسم “روميو وجوليت” الألف الثالث قبل الميلاد ، او “روميو وجوليت” (توتول) حياً أو مبتاً. حيث أن هذه القبور اختلطت اليوم مع المقابر الحديثة، كما عثر على قبور ملكية تعود بتاريخها إلى النصف الأول من الألف الثالث ق.م، وهي مبنية بمادة اللبن المجفف تحت أشعة الشمس فوق الأرض مباشرة، ويبدو أنها معاصرة لأبنية قصر لم تكتشف بعد. وتبين أن أسوار المدينة قد شيدت بلبن غير مشوي، وتبلغ سماكة سور المدينة الأقدم (8م)، كما عثر على بوابة واقعة في منتصف ضلع السور الغربي للمدينة.. بدأت مدينة توتول تفقد أهميتها تدريجياً منذ منتصف الألف الثاني ق.م، وقد ورد اسمها آخر مرة في القرن الثاني عشر ق.م على أنها مركز حدودي بين “الحثيين” و”الآشوريين”، ثم تلاشت أهميتها نهائياً في عصور لاحقة، وفي عام (1250ق.م) أصبحت المدينة صفيراً للرياح. وقد أسس السكان فيما )بعد مدينة جديدة في القرن الثالث ق.م باسم “نيكفوريون-م” Nikephorion إلى الجنوب من أطلال مدينة توتول، واستخدموا المدينة القديمة لدفن موتاهم، وفي القرن السادس الميلادي شيدت كنيسة في مركز أطلال مدينة توتول القديمة، ذات أرضية مفروشة بمشاهد فسيفسائية رائعة، ومنذ ذلك الحين أصبحت توتول تدعى بتل “البيعة” نسبة إلى الكنيسة.تلقي النصوص المسمارية المكتشفة في تل البيعة أضواء على أهمية مدينة “توتول” من الناحية الدينية والاقتصادية والسياسية، وكان إله المدينة «دجن» يتبوأ مركزاً مرموقاً في مجمع آلهة شمالي بلاد الرافدين، إذ تذكر النصوص أن “صارغون” ملك “آكاد” قد صلى في معبده في أثناء حملته على “سورية”، وأن حفيده «نارام سن» طلب منه المساعدة لتدمير مدينة “إبلا”، كما أن ملوك “ماري” المتأخرين كانوا يطلبون منه منحهم القوة والبأس. وكلمة “دجن” مازالت مستعملة حتى يومنا هذا في مدينة “الرقة” وريفها وتعني الطعام. وقد ذُكر اسم “توتول” أكثر من مئة مرة في وثائق “إبلا” دون أن تشير هذه الوثائق إلى أسماء حكامها، وتبقى الأحداث السياسية في عصر فجر السلالات الباكر والعصر الأكادي غير معروفة جيداً، وكل ما نعرفه أن الوثائق من عصر «إمار ـ سن» وهو من حكام سلالة “أور” الثالثة، تذكر أمير مدينة “توتول”. غير أن النصوص المكتشفة في قصر “ماري”، والتي تؤرخ في العصر البابلي القديم، تعطينا صورة أوضح عن العلاقة بين المدينتين، وعن الأوضاع السياسية والدينية، ولاسيما فيما يتعلق بعبادة الإله “دجن” او داغان، وعن التجارة وطرق السفر، والموقع الاستراتيجي المهم، ووفرة المحاصيل الزراعية. وكانت توتول تتمتع بعلاقات متميزة مع جنوبي بلاد الرافدين وعيلام، وبعلاقات أوثق مع “سورية” الداخلية في عصر حضارة “أوروك”، وقد نمت هذه العلاقة لتشمل حوض “البليخ” وتل “خويرة” في عصري أور الثالثة والبابلي القديم، كما لوحظ وجود علاقات قوية بينها وبين بلاد “بابل” و”آشور” .. ومنذ عام/1995م/ توقفت البعثة الألمانبة عن العمل الأثري في التل ، بإستثناء زيارات متقطعة من قبل مديرة البعثة”إيفا شترومنغر” رحمها الله، وأثناء الحرب الأخيرة في “سورية” تعرض التل لقسوة بربرية ليس لها مثيل ..

المصادر:
@- الرقة درة الفرات، مجموعة من الباحثين. مراجعة د. سهيل زكار دمشق، 1992م
@- ابو عساف، علي.. ممالك الشمال السوري دمشق.1988 م.
@- شعث، شوقي..توتول-( تل البيعة)
@- تقارير مواسم البعثة.الألمانية العاملة في التل..ارشيف المديرية العامة للآثار والمتاحف .دمشق